الأمثلة عند جمهور الأصوليين واقعها وآفاقها (2/2)

كتب فى : 07-01-2016 | الكاتب : أ.د. غازي بن مرشد العتيبي

الأمثلة عند جمهور الأصوليين واقعها وآفاقها

( 2/2 )

تقدم في الجزء السابق من هذا المقال في توصيف واقع الأمثلة في كتب أصول الفقه عند الجمهور بيانُ عنصرين ، وهما : أن الجمهور يتسامحون في الأمثلة ؛ لأن مقصودهم توضيح القاعدة فحسب ، وأنهم يمثلون للقاعدة الأصولية من غير تقيد بمذهب معين .

وفي هذا الجزء سأكمل توصيف واقع الأمثلة عند الجمهور ، وذلك كما يلي :

ثالثاً : التمثيل بأمثلة مقدرة :

ومن ذلك قول الإسنوي في نسخ الفحوى : ( فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما تقدم ، فإذا نسخ أصل الفحوى كتحريم التأفيف فهل يستلزم ذلك نسخ الفحوى كتحريم الضرب ؟ وكذلك العكس ؟ اختلفوا فيهما على مذاهب... )([1]) ، فهذا المثال لم يرد في خطابات الشرع ، وإنما أورده على سبيل الفرض والتقدير .

ومثله قول البنّاني في النسخ بالفحوى : ( قوله : " ويجوز النسخ به " أي : بالفحوى ، كأن يقال : اضربوا آباءكم ، ثم يقال : لا تقولوا لهم أف )([2]) .

وقول المحلي : ( مثال المساوة [ يعني بين الأصل والفرع ] في جنس العلة : قياس الطرف على النفس في ثبوت القصاص بجامع الجناية ، فإنها جنس لإتلافها ) ، قال البناني : ( هذا مثال فرَضي ، وإلا فقطع الطرَف ثابت بالنص )([3]) .

رابعاً : التفريق بين الأمثلة والشواهد :

فالمثال يذكرونه لإيضاح القاعدة كما تقدم ، والشاهد يُذكر لإثبات القاعدة وتقريرها ، يقول أحمد بن عبد اللطيف الجاوي - تعليقاً على قول المحلي في شرح الورقات عن الأدلة التفصيلية : ( فليست من أصول الفقه وإن ذُكر بعضها في كتبه تمثيلاً ) - : ( قوله : " تمثيلاً " أي : لأجل تمثيل القواعد بها ، ولأجل إيضاحها ، لا لكونها منها ، والمثال جزئي يذكر لإيضاح القواعد ، بخلاف الشاهد فإنه جزئي يذكر لإثبات القواعد )([4]) .

خامساً : الإيجاز في ذكر الأمثلة :

وذلك لأن المقصود هو ضبط القواعد الأصولية ، أما التوسع في الأمثلة فمحله كتب الفقه ، وقد أوضح ذلك البروي بعبارة رشيقة ، فقال : ( وليس التطويل بالمثال من دأب الفحول من الرجال ، بل غرضنا ضبط القواعد والفصول ، وإن تشوف إلى المثال طالب فليرجع القهقرى إلى مثالنا المذكور للتأويل من تخصيص العام في قوله صلى الله عليه وسلم : (( من بدل دينه فاقتلوه )) بالرجال ؛ مصيراً إلى احتمال إرادتهم على الخصوص بصيغة العموم .. )([5]) .

سادساً : التكرار في إيراد الأمثلة :

مما يلحظ في كتب الأصول ترديد الأمثلة في عدد من المباحث أو في المبحث الواحد ، ومن ذلك : تكرار قياس النبيذ على الخمر ، وحديث : (( فيما سقت السماء العشر )) ، وحديث : (( من بدل دينه فاقتلوه )) ، وحديث : (( من مس ذكره فليتوضأ )) ، وقول السيد لعبده افعل كذا أو لا تفعل كذا([6]) .

سابعاً : تقرير أن المثال لا يعترض عليه :

يقرر الأصوليون قاعدة مشهورة ، وهي : أن المثال لا يُعترض ، فمادام المثال يحصل به تصوير القاعدة فإنه لا يشتغل بنقده ، وإنما يوجهون المناقشات للقواعد والأدلة ، ومن عباراتهم السائرة : ليس من دأب أهل التحصيل المناقشة في التمثيل([7]) .

يقول العلوي في مراقي السعود :

والشأن لا يعترض المثال إذ كفى الفرض والاحتمال([8])

ثامناً : عدم التمثيل في بعض الأحيان :

وقد أوضح ذلك القرافي بقوله : ( فإن اهل الزمان قد عكفوا من أصول الفقه على كتاب المحصول ومختصراته ؛ لما اشتملت عليه من الألفاظ الرشيقة والمعاني الدقيقة ، ويرِدون على مسألة : " تعارض الاحتمالات العشرة المخلة بالفهم في التخاطب " ، فيجدون الأحكام ، ويفقدون الأمثال .

وبلغني سؤالهم للفضلاء الذين يقرؤون عليهم فلا يجدون لهم أمثلة في الوقت الحاضر ؛ لاحتياجها إلى الفكر ، وكذلك يتفق لي معهم أيضاً فلا أجد ما أقوله لهم .

وكذلك يمرون بمسألة : " ما به يخالف المشتقُّ المشتقَّ منه في الحركات والحروف " ، وذكر الإمام رحمه الله تسعةً ، فيطلبون امثلتها أيضاً ، فأردت أن أبين مثُلَ المسألتين بياناً شافياً )([9]) .

ما أثر هذا الواقع على علم أصول الفقه ؟

أبادر هنا فأشير إلى أن ما شيّده الأصوليون من بناء علم أصول الفقه يعتبر مفخرة من مفاخر الأمة الإسلامية ، وما ذُكر من واقع الأمثلة في مدونات أصول الفقه لا يقلل البتة من جهودهم الجليلة التي يجب أن تبقى محل إكبار وإجلال .

ولعل السبب الذي دعا الأصوليين لما تقدم توصيفه :

أنهم أرادوا أن يكون لأصول الفقه شخصيته المميزة له عن الفقه ، فالفقه يُتوسع فيه في ذكر الفروع ، بخلاف أصول الفقه فإنه يركز فيه على القواعد الأصولية والأدلة وما يتعلق بها ، ويكتفى من الأمثلة بما يحقق المقصود من تصوير القاعدة ، ولا سيما أن كثيراً منهم له باع طويل في الفقه ، وله مؤلفات في الفقه ومؤلفات أخرى في الأصول .

لكن هذا الواقع - على كل حال - كان له أثر في جملة أمور ، هي :

1-غموض بعض قواعد أصول الفقه ، وقد صرح الغزالي بذلك عند كلامه على المناسب المرسل فقال : ( فالمنقول عن مالك رحمه الله الحكم بالمصالح المرسلة ، ونُقل عن الشافعي فيه تردد ، وفي كلام الأصوليين أيضاً نوع اضطراب فيه ، ومعظم الغموض في هذه القواعد منشؤه : الاكتفاء بالتراجم والمعاقد ، دون التهذيب بالأمثلة )([10]) .

2- السير بعلم أصول الفقه نحو التجريد والدراسة النظرية ، كما قال الزنجاني : ( بل استقل علماء الأصول بذكر الأصول مجردة )([11]) .

3- إيراد مسائل أصولية مقدرة ، والخوض فيها بما لا يترتب عليه ثمرة ، وافتراض أمثلة لها ، مثل : نسخ القياس ، وأمر المعدوم ، وتعبد النبي صلى الله عليه وسلم بشرع من قبله ، ونحو ذلك ، وهذا قليل المنفعة أو عديمها كما يقول ابن تيمية رحمه الله([12]) .

آفاق للأمثلة في الدروس العلمية والبحوث والدراسات الأصولية المعاصرة :

أختم هذا المقال بذكر بعض الآفاق للأمثلة في الدروس العلمية والبحوث والدراسات الأصولية المعاصرة ، وذلك كما يلي :

1- العناية بالتمثيل للقواعد الأصولية بأمثلة معاصرة متى ما أمكن ذلك ؛ حتى يدرك الدراسون لعلم الأصول أهميته في إصلاح شؤون الحياة ، وأن اعتبار قواعده ضرورة منهجية للاستنباط الصحيح ، والتعرفِ على أحكام النوازل .

لكن يجب التنبه لصحة المثال ، وصلاحيته لأن يكون جزئياً من جزئيات القاعدة الأصولية ، فلا يمثل لها بما لا يصلح أن يكون مثالاً .

والأمثلة المعاصرة على ذلك كثيرة جداً ، وأكتفي بذكر بعضها :

أ‌- مثال للإجماع : إجماع الفقهاء المعاصرين على جواز السحب من الحساب ببطاقة السحب بالصراف الآلي ؛ لأن الساحب إنما يسحب من رصيده([13]) .

ب‌- مثال لقياس غلبة الأشباه : استخدام المواد النباتية المخدرة في العلاج الطبي ، فإنه يتنازعه شبهان : أحدهما : شبه بالخمر ، والآخر : شبه بالمواد السُّمّية ، وشبهها بالمواد السمية أقوى ، فيترتب على ذلك جواز استخدامها بكمية قليلة لا تضر بالبدن إذا دعت الحاجة لذلك([14]) .

ت‌- مثال للقياس مع الفارق : قياس إعادة العضو المقطوع في حد أو قصاص على تركيب الأعضاء الصناعية في الجواز بجامع أن كلاً منهما تركيب لعضو ، وهذا قياس مع الفارق ؛ لأن الشارع قصد إبعاد العضو المقطوع عن البدن بالحد أو القصاص ، بخلاف العضو الصناعي فلم يقصد الشرع إبعاده ، بل دل على جواز تركيبه كما في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعرفجة لما قطع أنفه يوك الكلاب أن يتخذ أنفاً من فضة فلما أنتن عليه أمره أن يتخذ أنفاً من ذهب([15]) .

ث‌- مثال للمصلحة المرسلة : إثبات حق براءة الاختراع للمخترع ؛ لأن إثباته يدعو إلى تشجيع الابتكار والاختراعات النافعة ، إذا علم المخترع أن جهده سيكون محمياً من التعدي عليه ، وذلك مصلحة ملائمة لجنس المصالح المعتبرة([16]).

ج‌- مثال للعرف : ما تعارف عليه الناس من اشتراط إصلاح البائع للثلاجة أو الغسالة ونحوهما مجاناً لمدة سنة مثلاً إذا لم يتعد المشتري أو يفرط([17]) .

ح‌- مثال للاستحسان : البوفيه المفتوح ، وذلك بأن يدفع شخص مبلغاً معيناً ، ويحق له بذلك أن يأكل أو يشرب ما يشاء مما هو في المطعم ؛ لأن ذلك مما يتسامح فيه ، كمن يدفع أجرة للاغتسال في حمامٍ من غير تقدير للماء الذي سوف يغتسل به أو الوقت الذي سيمكثه([18]) .

إلى غير ذلك من الأمثلة .

وقد اتجه بعض الأصوليين إلى التمثيل بأمثلة معاصرة في بعض مؤلفاتهم ، وذلك مسلك محمود ؛ لأن الإنسان ابن عصره ، كما يقال ، ومن ذلك : كتاب : الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين وتطبيقاتها المعاصرة ، للدكتور : مصلح النجار ، والاستحسان : حقيقته ، أنواعه ، حجيته ، تطبيقاته المعاصرة ، للدكتور : يعقوب الباحسين .

2- الإفادة من الأمثلة للقواعد الأصولية الموجودة في بعض كتب التفسير وشروح الحديث وكتب فقه الخلاف العالي ، مثل : جامع البيان لابن جرير ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، ومعالم السنن للخطابي ، والمعلم للمازري ، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ، والمغني لابن قدامة ، ...إلخ ، فإن هذه المدونات وغيرها مشحونة بالأمثلة والتطبيقات التي يمكن للأصولي أن يفيد منها في البحوث والدروس والمطارحات العلمية .

ومن الجهود المشكورة في هذا السبيل ما صنعه أحمد بن محمد بن الوزير في كتاب المصفى في أصول الفقه ، فقد أورد أمثلة كثيرة من الآيات والأحاديث بطريقة سهلة واضحة ؛ لتمرين الطلاب وتقريب أصول الفقه لهم ، وفي ذلك يقول : ( ولقد درست الأصول فما بدأت أتذوق حلاوته إلا منذ أن شرعت في دراسة علم الحديث وشروحه الفقهية ، مثل : الروض النضير ، وسبل السلام ، وفتح الباري ، ومثل : العمدة التي فاقت أخواتها من هذه الناحية التطبيقية للأصول خاصة ، فمؤلفها ذلك الشيخ العلامة المحقق الأصولي الشهير بابن دقيق العيد رحمه الله ، فكثيراً ما يطبق القواعد الأصولية ، ويفتح للعقل باباً واسعاً للاستنباط )([19]) .

3- وضع موسوعة أو فهرس للأمثلة ، بحيث تستقرأ الأمثلة في كتاب أو عدد من الكتب التراثية والمعاصرة ، ثم تصنف على المباحث الأصولية من بداية الأحكام الشرعية إلى نهاية الاجتهاد والتقليد والفتوى ، ولا شك أن هذه الموسوعة أو هذا الفهرس سيكونان مرجعاً للباحثين وطلاب العلم في معرفة الأمثلة الواقعية للقواعد الأصولية ، وستسهم في تنمية ملكة الاستنباط وجودة النظر ؛ لأنها نابعة من الفقه الواقعي .

4- تتبع المواطن التي تحتاج إلى تمثيل في كتب الأصول وذكر أمثلة لها ، كما صنع القرافي في التمثيل للاحتمالات المتعارضة المخلة بالفهم .

5- دراسة الأمثلة المذكورة في كتب الأصول ، وبيان مواقف الأصوليين منها ، ومناقشتهم لها .

6- دراسة الأمثلة في كتب أصول الفقه عند الحنفية ، والإفادة من طريقتهم في ذلك ، لأنها أليق بالفقه ، حتى إن من يقرأ كتاباً أصولياً للحنفية كأنما يقرأ في كتاب فقهي ، ومن إيجابيات منهجهم فيها : تنمية المهارة الأصولية ، وتقوية ملكة الاستنباط لدى المتفقه ، بخلاف ما إذا درس الطالب الأصول مجردة ، والفروع مبدّدة .

وفي الختام : أرجو أن يكون هذا المقال قد قدح زناد الفكر لدى بعض طلاب علم الأصول ليكون هذا الموضوع مجالاً لأطروحة علمية عن الأمثلة في كتب الأصول عموماً ، ودراسة جميع ما يتعلق بها .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،،،،

 

 

-----------------------------------

([1]) نهاية السول ( 2/596 ) .

([2]) حاشية البناني على شرح المحلي ( 2/82 ) .

([3]) المصدر السابق ( 2/227 ) .

([4]) حاشية النفحات على شرح الورقات ( ص:34 ) .

([5]) المقترح في المصطلح ( ص:142 ) .

([6]) انظر : المصفى في أصول الفقه لابن الوزير ( ص:47 ) .

([7]) انظر : المصفى لابن الوزير ( ص:37 ) .

([8]) انظر : نشر البنود على مراقي السعود ( 2/238 ) .

([9]) رسالة في مسألة تعارض الاحتمالات العشرة المخلة بالفهم في التخاطب المذكورة في كتاب المحصول ( ص:21 ) .

([10]) شفاء الغليل ( ص:208 ) .

([11]) تخريج الفروع على الأصول ( ص:34 ) .

([12]) انظر : مجموع الفتاوى ( 20/402 ) .

([13]) انظر : فقه المعاملات المالية المعاصرة ، للأستاذ الدكتور : سعد الخثلان ( ص:155 ) .

([14]) انظر : المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء ، للدكتور : نزيه حماد ( ص:95-96 ) .

([15]) انظر : أحكام الجراحات الطبية والآثار المترتبة عليها ، للدكتور : محمد الشنقيطي ( ص:422 ) .

([16]) انظر : المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي ، للدكتور : محمد شبير ( ص:51 ) .

([17]) انظر : المعاملات المالية المعاصرة ، للأستاذ الدكتور : وهبة الزحيلي ( ص:44 ) .

([18]) انظر : التكييف الفقهي للنازلة وتطبيقاته المعاصرة ، للدكتور : عبد الله الموسى ، ضمن بحوث ندوة نحو منهج علمي أصيل لدراسة القضايا الفقهية المعاصرة الذي نظمه مركز التميز البحثي في فقه القضايا المعاصرة ( 3/1337 ) .

([19]) المصفى ( ص:47 ) .