إعادة صياغة البحث في أصول الفقه (1)

كتب فى : 18-02-2016 | الكاتب : د. عارف بن عوض الركابي

الأسباب الموضوعية للدعوة إلى إعادة صياغة البحث في أصول الفقه

د.عارف بن عوض الركابي

إن الدعوة إلى إعادة صياغة البحث في أصول الفقه والتجديد فيه على المنهج الصحيح المنشود وفق الضوابط الصحيحة التي وضعها العلماء المحققون في هذا العلم تنطلق من أسباب موضوعية محددة ، وبالاطلاع على ما سطر في هذا الشأن فإنه يكاد أن يكون ثمة اتفاق على الموضوعات الرئيسة التي من أجلها انطلقت دعوات إعادة الصياغة في بحث أصول الفقه والتجديد فيه ، وقبل أن أذكر الأسباب الموضوعية المجملة التي أدت إلى ذلك فإن من المناسب أن أشير إلى العوامل التي أدت إلى الصعوبة والتعقيد في بعض مباحث أصول الفقه ، فإن القول بسد باب الاجتهاد وإقفاله بعد منتصف القرن الرابع الهجري هو من أقوى عوامل ذلك ، وترتب على ذلك عامل آخر وهو اختلاف دراسة الفقه بين المتقدمين من الأئمة المجتهدين والمقلدين الذين اتجهوا للحفظ ، ولا يخفى تأثير الفقه على الأصول فالأصول هو الطريق والمقدمة للفقه والتغير في طريقة دراسة الفقه انسحبت على مباحث الأصول، ومن العوامل التزام كثير من الفقهاء بمذاهب أئمتهم ، ومن العوامل دخول مباحث الكلام في البحث الأصولي فقد دفع التعمق فيه لدفع البحث الأصولي في غير ما وضع له ، فعلم الأصول غايته والمبتغى منه تكوين ملكة الاجتهاد لدى المجتهد وتمليكه أدوات الاستنباط([1]).

وكان النتيجة لهذه العوامل ظهور مظاهر عديدة للعقم والجمود والصعوبة في علم أصول الفقه ، ومن ذلك أن ضعفت الصلة بين كتب المتأخرين وأسلافهم ، فاختلفت المادة العلمية في كثير من الكتب الأصولية عما كانت عليه رسالة الشافعي (المتوفى عام 204هـ) وغيرها من الكتب التي ألفت على منوالها في اليسر والسهولة ، فظهر الاختصار المخل وكثر الإبهام ، وأحياناً الإسهاب إلى حد الإملال والحشو والخروج عن المقصود وهجر الاستدلال على القواعد الأصولية إلا نادراً ، كما ظهر استقلال الأصول عن الفقه وتميّز طائفة الأصوليين عن طائفة الفقهاء، وغلب الجانب النظري وقلَ الجانب التطبيقي وتخريج الفروع على الأصول ، وأصبحت الصعوبة والعسر مظهراً واضحاً في كثير من الكتب الأصولية ، وغير ذلك من المظاهر التي ترتبت على تلك العوامل ، فاقتضى هذا وذاك أن تعاد الصياغة في بحث قضايا علم أصول الفقه ومسائله ومن أبرز أسباب ذلك ما يلي :

1- وجود مسائل كثيرة في كتب الأصول ليست من علم الأصول، فإن العلماء الذين تناولوا هذا العلم قد تنوعت واختلفت مداركهم ، فأدخل بعضهم مسائل ليست من علم الأصول وناقشوها باستفاضة مثل بعض المسائل اللغوية ومسائل من علم الكلام ، وقد شهد أبو حامد الغزالي (المتوفى عام 505هـ) في هذه المسألة وهي إدخال مسائل من علم الكلام في أصول الفقه فقد قال : (ومعرفة المعرفة أعني العلم ثم العلم المطلوب لا وصول إليه إلا بالنظر فلا بد من معرفة النظر فشرعوا (أي المتكلمين) في بيان حد العلم والدليل والنظر ولم يقتصروا على تعريف صور هذه الأمور ولكن انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه من السوفسطائية وإقامة الدليل على النظر على منكري النظر وإلى جملة من أقسام العلوم وأقسام الأدلة وذلك مجاوزة لحد هذا العلم وخلط له بالكلام وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الإعراب جملاً هي من علم النحو خاصة وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد رحمه الله وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه)([2]). ومع هذا البيان إلا أن الغزالي لم يترك هو نفسه الخلط الذي نبه عليه حيث قال: (وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط ، فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه ، لأن الفطام عن المألوف شديد والنفوس عن الغريب نافرة..)([3]).

2- ومن دواعي التجديد أن المادة الأصولية تفتقر إلى مسائل وبحوث وجزئيات مهمة وضرورية كدراسة مقاصد الشريعة ؛ لما لها من أهمية كبرى وأثر في الاستنباط ، وتكاد هذه القضية تكون محل اتفاق بين الداعين لإعادة صياغة البحث والتجديد في علم أصول الفقه ، ومسائل في فقه المصالح والمفاسد وقواعد في التفاضل والأولويات ، إضافة إلى أن مسائل مهمة وهي في غاية الخطورة قد استجدت ولها تعلق واضح بأصول الاستدلال كالشبهات التي تثار في قضايا أصولية مثل جمع القرآن والقراءات وتدوين الحديث والمصالح وسد الذرائع ، وتأريخية الفهم للنصوص الشرعية ، فهذه وأمثالها نشرت فيها شبهات تعج بها كثير من المواقع الالكترونية لبعض أتباع الديّانات المحرّفة والفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة مما يشكك به في أصول الأدلة التي يؤخذ منها التشريع ، وهي بحاجة إلى كشفها وبيان الحق فيها بما يحفظ لهذه الأصول مكانتها عند المسلمين قبل غيرهم.

3- حاجة الفقه إلى تجديد ، والأصول مهاد الفقه ومدخله ، وهو طرق ومناهج استنباطه ، وعلى سبيل المثال فقد ظهرت المجامع الفقهية والمؤسسات العلمية للإفتاء وهي بحاجة إلى تأصيل يتوافق مع أصول ومقاصد الشريعة والبيان الواضح لمهامها وضوابطها ومكانة قراراتها ونتائجها.

4- حاجة كثير من القواعد الأصولية إلى الأدلة الواضحة الدالة عليها، وافتقارها إلى التطبيقات الفقهية، خاصة ما يتعلق بقضايا النوازل والمسائل الفقهية المعاصرة، فقد درج كثير من مؤلفي كتب الأصول على النقل لفروع قليلة محددة ممن سبقهم دون الاجتهاد في جمع مادة مناسبة بالتجديد في التطبيقات الفقهية بما يخدم القاعدة الأصولية ويرسخها لدى من يدرسها.

قال الشيخ عبدالرزاق عفيفي : (فمنهم من عني بالقواعد وإثباتها بالأدلة عقلاً ونقلاً مع بسط القول ووضوح العبارة في سوق الأدلة ونقاشها وضوحاً لا يعوز القارئ إلى شرح أو بيان، غير أنهم قصروا في جانب الأمثلة والتطبيق ، فلا يوجد في كتبهم من ذلك إلا النزر اليسير، ثم هو تقليدي يرثه الآخر عن الأول، فلا تنويع ولا تجديد ولا تطبيق لما جد من القضايا في العهود المختلفة)([4]).

5- الصعوبة في صياغة كثير من المسائل والمباحث في الكتب الأصولية([5])، حتى صارت المادة الأصولية بها تعقيد وغموض ينفر بسببه منها كثير من الدارسين ، وبات يحمل بسببها كثيرٌ من طلاب وطالبات الكليات الشرعية هَمّ تحصيل درجة الحد الأدنى للنجاح ، مما يوضح الحاجة الماسّة إلى التسهيل ومزيد التوضيح حتى تؤدي المادة العلمية الأصولية غاية العلم في ضبط المسائل وفهمها بما تتحقق به ملكة الاستنباط لدى المجتهد والفقيه ، ومما يتعلق بالصياغة والأسلوب وعرض للقواعد والمسائل والآراء الأصولية الإفادة من التقنيات الحديثة في طريقة العرض والتشجير للقواعد والآراء والمسائل الأصولية مما له الأثر في تبسيط هذا العلم خاصة للدارسين دراسة نظامية كطلاب وطالبات الكليات الشرعية والمعاهد الدينية.

6- المسائل الخلافية في كتب الأصول بحاجة إلى خدمة في جوانب عديدة ومن ذلك: استخلاص الراجح منها وتحرير مواضع النزاع ، والنظر في صحة نسبة بعض الأقوال ، وتجريدها من الخلاف اللفظي الذي لا يترتب عليه ثمرة فضلاً عن حكاية الخلاف بين المسلمين وبين غيرهم من الفرق اليهودية أو الدهرية الذي حكي في بعض المسائل الأصولية وأقيمت عليه الأدلة ، يقول الشاطبي المتوفى (عام 790هـ): (كل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه، إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله عارية)([6]).

ويقول المردوادي (المتوفى عام 885هـ): (وقد ذكر الأصوليون ذلك (أي الخلاف) حتى بالغوا، فذكروا بعض مذاهب اليهود والنصارى والسوفسطائية، والسمنية فرقة من عبدة الأصنام ، والبراهمة وهم الذين لا يجوزون على الله بعث الرسل ، والملاحدة وغيرهم)([7]).

فهذه – فيما توصّلتُ إليه - هي أبرز الأسباب الموضوعية للدعوة إلى إعادة صياغة البحث في علم أصول الفقه ، ولذلك فقد دعا بعض العلماء –قديماً - إلى ذلك، ونقدوا بعض جوانب هذا العلم ، وسار على طريقهم وبصورة أكثر تفصيلاً في دراسات مستقلة مجموعة من العلماء والباحثين المعاصرين .

وأواصل بمشيئة الله تعالى..

 

 

 

_________________

([1]) التجديد والمجددون في أصول الفقه لأبي الفضل عبد السلام ص25-34.

([2]) المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي (1/9).

([3]) المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي (1/9).

([4]) من مقدمة الشيخ عبد الرزاق عفيفي لكتاب الإحكام للآمدي (1/8).

([5]) ومن الأسباب التي أدت إلى التعقيد والغموض في كثير من كتب أصول الفقه: التأثر بطريقة المنطقيين في مبالغتهم في التدقيق اللفظي والحرص على ضغط الكلام وتركيزه ولو كان ذلك على حساب الإفهام والإبانة في معظم الأحيان. ومن ذلك غلبة الصبغة الكلامية العقلية في بحث القضايا الأصولية بتأثير علماء الكلام الذين تناولوا علم الأصول تناولًا عقليًّا، وأسباب ذلك كثيرة يرجع بعضها إلى المؤلفين وبعضها إلى المؤلفات في اختصارها وبعضها إلى المصطلحات الأجنبية عن علوم الشريعة التي أدخلت في العلم، انظر: التجديد والمجددون في أصول الفقه لأبي الفضل عبد السلام ص571-573.

([6]) الموافقات للشاطبي (1/44).

([7]) التحبير شرح التحرير للمرداوي (1/128-129).