إعادة صياغة البحث في أصول الفقه (2)

كتب فى : 18-02-2016 | الكاتب : د. عارف بن عوض الركابي


دعوة العلماء المتقدمين والمعاصرين إلى : ضرورة إعادة صياغة البحث في أصول الفقه

 

 

د.عارف عوض الركابي

 

إن الدعوة إلى إعادة الصياغة في البحث والتجديد في عرض مسائل أصول الفقه ليست دعوة وليدة ، وإنما لها أصول تمتد إلى الماضي ، وفي عبارات واضحة لعلماء محققين ما يبين ذلك ، ومما أنتقيه من ذلك، ما يلي :

 

قال أبو الحسين البصري (المتوفى عام 436هـ): (فأحببت أن أؤلف كتاباً مرتبة أبوابه غير مكررة، وأعدل فيه عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام. إذ كان ذلك من علم آخر لا يجوز خلطه بهذا العلم)([1]).

 

وانتقد أبو المظفر السمعاني (المتوفى عام 489هـ) خروج بعض المصنفين في الأصول عن غاية العلم فقال : (ورأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل ، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه ، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير..)([2]).

 

وقال الغزالي (المتوفى عام 505هـ): (ومعرفة المعرفة أعني العلم ثم العلم المطلوب لا وصول إليه إلا بالنظر فلا بد من معرفة النظر فشرعوا (أي المتكلمين) في بيان حد العلم والدليل والنظر ولم يقتصروا على تعريف صور هذه الأمور ولكن انجر بهم إلى إقامة الدليل على إثبات العلم على منكريه من السوفسطائية وإقامة الدليل على النظر على منكري النظر وإلى جملة من أقسام العلوم وأقسام الأدلة وذلك مجاوزة لحد هذا العلم وخلط له بالكلام وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول فذكروا فيه من معاني الحروف ومعاني الإعراب جملاً هي من علم النحو خاصة وكما حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد رحمه الله وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه)([3]).

 

وقال الشاطبي (المتوفى عام 790هـ) : (كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عوناً في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية...) إلى قوله : (ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انبنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه، وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من أصول الفقه... وعلى هذا يخرج من أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيها كمسألة ابتداء الوضع، ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟ ومسألة أمر المعدوم ومسألة هل كان النبي متعبد بشرع أم لا؟ ومسألة لا تكليف إلا بفعل)([4]).

 

وقال ابن خلدون (المتوفى عام 808هـ) في ذم التوسع في علوم الآلات والوسائل : (.. كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه، لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها ، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات ، بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها من المقاصد، وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها في العلوم المقصودة ، فهي من نوع اللغو، وهي أيضاً مضرة بالمتعلمين على الإطلاق)([5]).

 

والأمثلة لذلك في كلام المتقدمين كثيرة وهي دعوة مستمرة ، أكدها بعض المحققين في علم أصول الفقه والمعتنين به من المتأخرين ، قال الشوكاني (المتوفى عام 1250هـ) في مقدمة «إرشاد الفحول»([6]): (لأن تحقيق ما هو الحق هو غاية الطلبات ونهاية الرغبات لا سيما في مثل هذا الفن الذي رجع كثير من المجتهدين بالرجوع إليه إلى التقليد من حيث لا يشعرون ووقع غالب المتمسكين بالأدلة بسببه في الرأي البحت وهم لا يعلمون).

 

وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي (المتوفى عام 1415هـ): (ولو سلك المؤلفون في الأصول بعد الشافعي طريقته في الأمرين([7]): تقعيداً واستدلالاً وتطبيقاً وإيضاحاً بكثرة الأمثلة وتركوا الخيال وكثرة الجدل والفروض، واطَّرحوا العصبية في النقاش والحجاج ، ولم يزيدوا إلا ما تقتضي طبيعة النماء في العلوم إضافته من مسائل وتفاصيل لما أصل في الأبواب، وإلا ما تدعو إليه الحاجة من التطبيق والتمثيل من واقع الحياة للإيضاح كما فعل ابن حزم لسهل هذا العلم على طالبيه، ولانتهى بمن اشتغل به إلى صفوف المجتهدين من قريب)([8]).

 

وفي الدراسات المعاصرة لقضية التجديد وإعادة الصياغة في بحث أصول الفقه نجد العناية بإبراز جهود العلماء المتقدمين في التجديد في هذا العلم، وإعادة صياغة بعض مباحثه والدعوة لتنقيته من بعض ما أدخل فيه من بعض المسائل التي هي ليست منه، وحسب اطلاعي فإن ملامح التجديد عند العلماء المتقدمين قد برزت بصورة واضحة، خاصة وقد صحب ذلك بيان عملي بجهود عدد من الأئمة المتقدمين في هذا المجال في علم أصول الفقه([9]).

 

كما أن في بعض المؤلفات المتقدمة والمعاصرة خاصة التي قصد بها التسهيل مزيد توضيح حيث قصد مؤلفوها بمؤلفاتهم التسهيل والتبسيط لفهم موضوعات هذا العلم وتخليصها من الغموض الذي وجد في كتب كثير من الأصوليين([10]).

 

(وقد كانت جهود المُحْدَثِين متممة لجهود سابقيهم، وجاءت في صورة تطبيقية في خلال مصنفاتهم في الأصول، حيث حرصوا على التيسير والتسهيل سواء في الصياغة أو في الترتيب أو في حذف بعض ما لا ينفع العلم ويخدم غايته، كما ظهرت جهودهم على نحو نظري في مقدمات كتبهم، وإن لم يعرف عن أحد منهم أنه أفرد جهده لاستقصاء هذا الباب بصورة نظرية مفصلة ومستوعبة لتكون نبراساً هادياً للباحثين في علم الأصول. وممن له آثار حميدة في هذا المضمار الإمام الصنعاني والعلامة الشوكاني والعلامة السعدي والشنقيطي وعبد الوهاب خلاف وأبو زهرة)([11]).

 

 

 


_________________

 

(1) المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (1/7).

 

([2]) قواطع الأدلة لابن السمعاني (1/6).

 

([3]) المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي (1/9).

 

(4) الموافقات للشاطبي (1/42-43).

 

([5]) مقدمة ابن خلدون ص537.

 

([6]) (1/55).

 

([7]) ويقصد بالأمرين: تحرير القواعد الأصولية وإقامة الأدلة عليها من الكتاب والسنة، والإكثار من الأمثلة لزيادة الإيضاح والتطبيق لكثير من الأدلة على قضايا أصول الشريعة وفروعها.

 

([8]) مقدمة الشيخ عبد الرزاق عفيفي لكتاب الإحكام للآمدي (1/8).

 

([9]) انظر: التجديد والمجددون في أصول الفقه لأبي الفضل عبد السلام فقد ضمّن الباب الثاني من كتابه الجهود النقدية والتجديدية في علم أصول الفقه ص 103 -313، واستعرض نماذج من العلماء المتقدمين هم: (ابن حزم والجويني والغزالي والعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي). وفي كتاب محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته للدكتور هزاع الغامدي (1/69-417) نجده قد تناول المحاولات التجديدية لكل من ابن حزم والشاطبي والطوفي. وما في هذين الكتابين وفي غيرهما في هذا الجانب بيان واضح لقدم الدعوة إلى التنقية والتجديد وتسهيل العرض لمباحث علم أصول الفقه.

 

([10]) من المتقدمين كمثال كتاب الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء ابن عقيل فقد بين في مقدمة كتابه أنه قصد به الخروج عن طريق أهل الكلام وذوي الإعجام إلى الطريقة الفقهية والأساليب الفرعية ، ومن المتأخرين نجد ذلك جلياً في كلام الشوكاني في (إرشاد الفحول) والشيخ الخضري في (أصول الفقه) وأحمد إبراهيم بك في أصوله وعبد الوهاب خلاف في أصوله أيضاً وغيرهم.

 

([11]) التجديد والمجددون في أصول الفقه، لأبي الفضل عبد السلام ص14.