لقاء مع نائب رئيس الجمعية معالي أ.د. عبد الرحمن السديس

كتب فى : 18-02-2016 | الكاتب : تيسير دبلول

السؤال الأول: وكعادة أي مقابلة نحب أن نطلع القراء الكرام على بطاقتكم الشخصية (الاسم، المولد، النشأة، الحالة الاجتماعية، الأسرة، كيفية التوازن بين الواجبات والالتزامات الأسرية).؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فيطيب لي بادئ ذي بدء أن أتوجه بالشكر لله عز وجل على ما منَّ به من هذا اللقاء المبارك ، كما أتوجه بالشكر لولاة الأمر وفقهم الله على ما يولونه العلم والتعليم من عناية فائقة، ورعاية جليلة والشكر موصول لجمعية أصول؛ رئيسا وأعضاءً على إتاحة الفرصة لي للإطلالة عبر هذا اللقاء الماتع لطلاب العلم عامة، وشداة علم الأصول خاصة

أما الاسم فهو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ابن محمد بن عبد الله، وهو (الملقب بالسديس)، ويرجع نسب الأسرة إلى عنزة القبيلة العربية المشهورة.

والمولد في مدينة الرياض عام 1382هـ، وبها النشأة ومراحل التعلم الأولى.

والحالة الاجتماعية: متزوج ولي - بحمد الله - عدد من الأبناء والبنات، وكلهم بفضل الله من الصالحين والصالحات نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، نسأل الله لنا ولهم وللمسلمين جميعاً التوفيق والسداد، وبفضل الله ومِنَّتِه ثم بالتنسيق ومراعاة الأولويات يتم التوازن بين الواجبات، وأُسرِيّ الالتزامات.

السؤال الثاني: معالي الشيخ نتطلع أن نتعرف على مسيرتكم العلمية وأبرز المشايخ الذين شرفت بتحصيل العلم عليهم لاسيما في علم الأصول.؟

بفضل الله بدأت المسيرة العلمية منذ وقت مبكر جدا حيث حفظت القرآن الكريم في سن الثانية عشرة، ويرجع الفضل في ذلك بعد الله تعالى لوالديَّ رحمهما الله، فقد ألحقاني بجمعية تحفيظ القرآن الكريم بالرياض، بإشراف الشيخ عبدالرحمن ابن عبد الله آل فريان ، ومتابعة الشيخ المقرئ محمد عبد الماجد ذاكر.

ثم التحقت بمعهد الرياض العلمي ثم كلية الشريعة، ومن أشهر مشايخي في هذه المرحلة: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، المفتي العام للمملكة حفظه الله، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن ابن جبرين ، والشيخ صالح الأطرم رحمه الله، والشيخ عبد الله بن محمد المطلق عضو هيئة كبار العلماء، والشيخ عبد الله المنيف، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن التويجري، والدكتور/ أحمد بن علي سير المباركي، والدكتور/ عبد العزيز بن عبد الرحمن الربيعة، والدكتور/ عبد الرحمن بن عبد الله الدرويش، والدكتور/ عبد الرحمن السدحان، والشيخ أ. د. صالح بن غانم السدلان وغيرهم.

وممن تتلمذت عليه: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، وقد شرفت بملازمته والإفادة منه، وسماحة الشيخ محمد بن عثيمين، ومعالي الشيخ عبد الله الغديان رحمه الله، وقد استفدت منه كثيرًا لاسيما في الأصول والمقاصد، ومعالي الشيخ صالح الفوزان، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد العزيز الراجحي ، جزاهم الله عني خيرا.

وبعد تخرجي في كلية الشريعة عُيِّنت معيداً فيها في قسم أصول الفقه، واجتزت المرحلة التمهيدية (المنهجية) بتقدير ممتاز.

وفي هذه الفترة حصلت على إجازة بالسند في حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، كما حصلت على إجازة في رواية السنة النبوية في الكتب الستة، وفي عام 1404هـ صدر التوجيه الكريم بتعييني إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام، وفي عام 1408هـ حصلت على درجة الماجستير بتقدير ممتاز من كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم أصول الفقه ، وقـد حظيت أولاً بإشـراف فضيلة الشيخ العلَّامة عبد الرزاق عفيفي ، ونظرًا لظروفه الصحية فقد أتم الإشراف فضيلة الشيخ د. عبد الرحمن بن عبد الله الدرويش رحمه الله، كما شرفت -مع القيام بالإمامة والخطابة- بالتدريس في المسجد الحرام، حيث صدر توجيه كريم بذلك عام 1414هـ

ثم حصلت على درجة الدكتوراه في كلية الشريعة بجامعة أم القرى بتقدير (ممتاز) مع التوصية بطبع الرسالة، وكان ذلك عام 1416هـ وقد أشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور أحمد فهمي أبوسنة، وناقشها معالي الشيخ أ.د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد سابقاً، والأمين العام لرابطة العالم الإسلامي حالياً، وعضو هيئة كبار العلماء، والأستاذ الدكتور/ علي بن عباس الحكمي رئيس قسم الدراسات العليا الشرعية بجامعة أم القرى سابقًا، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس جمعية أصول. وعينت في 1417هـ أستاذًا مساعدًا في كلية الشريعة بجامعة أم القرى، ثم أستاذا مشاركا فأستاذا للدراسات العليا، ثم تشرفت بالخدمة والعمل في الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولا أزال ولله الحمد والمنة مرتبطا بالعلم والتعليم في دروس الحرم، وبالتعاون مع الجامعات لا سيما جامعة أم القرى؛ في التدريس والإشراف ومناقشة الرسائل العلمية، وكذا في جامعة الإمام والجامعة الإسلامية وكلية الحرم المكي الشريف لتدريس مادة الأصول، وعمل ومتابعة الأبحاث والدراسات المتخصصة، أسأل الله أن يجعل العمل خالصا لوجهه الكريم

السؤال الثالث: من المعلوم أن معاليكم قد تخصص في علم الأصول وتدرجتم فيه إلى أعلى مرتبة أكاديمية علمية (الأستاذية)، فما سبب شغف معالي الشيخ بهذا العلم واختياره على سائر التخصصات؟، وما هي أبرز كتاباتكم وبحوثكم خلال هذه المسيرة الحافلة؟ وما أحبها إليكم ؟

مما لا يخفى أن العلوم ثلاثة أنواع؛ الأول: عقلي محض؛ كالحساب والهندسة، والثاني: لُغوي؛ كالنحو والصرف، والثالث: العلم الشرعي؛ وهو علم القرآن والسنة، ولا شك أنه أشرف الأنواع الثلاثة، وعلم الأصول على وجه الخصوص يزدوج فيه العقل والنقل، ويصطحب فيه الشـرع والرأي ، وقد أسس شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه: "درء تعارض العقل والنقل"، على هذا المعنى ؛ وهو أن الشرع الصحيح يتوافق مع العقل السليم، وعلم الأصول هو الذي يجعل العقل قادرا على الاستنباط من الشرع وَفْق القواعد والضوابط التي أوردها أهل العلم، كما أنه هو المعيار الذي تُضبط به الفتاوى، ولعل السبب الرئيس فيما نعيشه هذه الأيام من انتشار الفتاوى الشاذة والمخالفة للحق أن أصحابها لم يُتقنوا علم الأصول ويضبطوه، مما كان سببًا رئيسًا في انتشار الأفكار الضالة، ومرد ذلك عدم علم أصحاب هذه الأفكار بأسس هذا العلم الشريف تنظيرًا وتطبيقًا.

لهذا كان شغفي بهذا العلم منذ سنوات الطَّلَب الأولى؛ قراءة ومدارسة ودراسة، ثم التخصص فيه ومن ثم - بحمد الله - بحثًا وتأليفًا، فرسالتي للماجستير كانت بعنوان:" المسائل الأصولية المتعلقة بالأدلة الشرعية التي خالف فيها ابن قدامة الغزالي" ، ورسالتي للدكتوراه كانت بعنوان:" الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي دراسة وتحقيق" وقد حققت فيها جزءا من كتاب الواضح لابن عقيل، وأعمل هذه الأيام على إخراج الكتاب كاملا ؛ بجمع ما حُقِّق منه وإتمام ما لم يتم ، حتى يكون موسوعة أصولية ينهل منها طلاب العلم وشداة المعرفة.

ولي مجموعة من البحوث والكتب الأصولية الأخرى، تم - بحمد الله – طباعة بعضها ، منها على سبيل المثال:

  1. التجديد في أصول الفقه، حقيقته-ضوابطه-مجالاته-آثاره.
  2. قاعدة اعتبار المآلات وأثرها في الأحكام الشرعية والنوازل العصرية. دراسة أصولية مقاصدية.
  3. الإمام الحسن بن حامد الحنبلي وأقواله الأصولية- جمعًا ودراسة.
  4. تعارض المصالح والمفاسد وموقف الأصوليين منه.
  5. المجاز عند الأصوليين بين المجيزين والمانعين.
  6. الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي ومنهجه الأصولي.
  7. بديع الطراز في معالم منهج الفتوى عند الإمام ابن باز
  8. علم أصول الفقه وأثره في صحة الفتوى.
  9. القواعد الشرعية في الأعمال الاحتسابية.
  10. فتاوى الفضائيات - الضوابط والآثار.
  11. التكييف الأصولي للنوازل المعاصرة.
  12. علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة علاقتهما – وأثرهما في النوازل المعاصرة

هذا بالإضافة إلى الكتب والبحوث الدعوية والخطابية وغيرها في موضوعات متعددة تعالج قضايا معاصرة، كقضية؛ التكفير والأمن الفكري وظاهرة الإرهاب وغيرها، كما توجد بعض المشروعات العلمية التي أعمل عليها، منها نواة موسوعة أصولية لمفردات ومسائل علم الأصول، ولعلها ترى النور قريبا إن شاء الله، وكلها أعمال قريبة إلى القلب وفي أعماق الوجدان وأسأل الله تعالى أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.

السؤال الرابع: كيف يرى معالي الشيخ جمعية "أصول" التي هو أحد أعمدتها؟، وما هو المؤمل والمتوقع منها في ظل الواقع الذي نعيشه.؟

جمعية "أصول" جمعية رائدة في تأصيل منهج الاستدلال وتطبيقاته المعاصرة من خلال الوسطية والاعتدال، والموضوعية والاتزان، والجودة، والتعاون، وبناء الشراكات، وعمل الاتفاقات، وهي تسعى إلى أن تكون الأولى في خدمة أصول الفقه ومقاصد الشريعة بحثاً وتوظيفاً برؤية معاصرة تراعي الوسطية والاعتدال من خلال؛ إطلاق المبادرات والبرامج والملتقيات، وهذا هو دورها وأحد أسباب تكوينها، ويتم العمل فيها حالياً على العديد من المبادرات واللقاءات والمؤتمرات العلمية في اختصاص الجمعية، بجانب البحوث العلمية في مقاصد الشريعة، بالإضافة إلى عمل الشراكات مع الجهات المختلفة، ولها دور بارز في تسهيل وصول الطلاب والطالبات إلى هذا العلم بالوسائل العلمية المتاحة والمناسبة لهذا العصر، كما أنها تعد نقلة نوعية، ووثبة معرفية، وقفزة تخصصية، ويؤمل منها آثار عظيمة، ومآلات كبيرة في العناية بعلم الأصول وانتظام عقد المتخصصين فيه في جمعية مباركة تمثل حلقات متلألأة في عقد وضاء من خلال؛ تأليف كتب مناسبة لهذا العصر ولو بالأسلوب والصياغة والأمثلة والربط بالواقع لعلمي الأصول والمقاصد، ولعلها تكون صاحبة الريادة في أمور عديدة خاصة بهذا العلم والعاملين به دراسة وتدريسا في القريب العاجل إن شاء الله تعالى.

السؤال الخامس: معالي الشيخ: مما تعلمناه من معاليكم أن الأصول كما هي منهج ضابط للاستدلال والاستنباط فهو منهج ضابط للتفكير والفهم كيف وجدتم هذا المعنى في حياتكم الشخصية.؟ وهل ثمة مواقف يستحسن معاليكم ذكرها كمثال؟ وكيف يمكن أن يستفيد الناس بأطيافهم؛ من طلبة علم، وعامة، من هذا الكنز الذي بين أيديكم.؟

كما قلتُ منذ قليل علم الأصول علم يزدوج فيه العقل والنقل، وهذه أحد أهم الأسباب التي جعلتني به شغوفا، واستفدتُ كثيرا منه في الحياة العملية والدعوية، فعندما يأتي شاب عنده شُبهه ما، أو انحراف في فكره ، فأول شيء هي رد هذا الشاب إلى الأصول، لأن الأصول لا يختلف أحد عليها ثم تنتقل به من الأصول إلى الفروع من خلال ضوابط الاستدلال والاستنباط المتفق عليها عند أهل العلم ، ومن ثم ستصل به إلى المنهج القويم في التفكير والفهم.

وهنا يحسن تذكير إخواننا من المشايخ والدعاة والقضاة ومن يتصدى للفتوى وأهل الحسبة إلى الاهتمام بعلم الأصول وتقريبه لعموم الناس وللشباب خاصة ليستفيدوا منه في حياتهم، فلا يقعوا فريسة الأفكار المنحرفة الهدامة، والآراء الشاذة.

وقد حصل لي بعض المواقف التي استفدت منها في توظيف علم الأصول والمقاصد للإجابة عن كثير من الشبهات التي يتمسك بها بعض المخالفين لأهل الحق، لاسيما في قضايا التكفير؛ فأذكر أنني في بعض جولاتي الدعوية لاسيما في الدول الأوربية التقيت بعض الشباب الذين تغلب عليهم العاطفة والحماسة، ويقل عندهم العلم والتأصيل وقد يقعون في براثن التكفير فحصل شيء من المناظرة لهم بالرد إلى الأصول والقواعد؛ فكنت أسألهم بكل لطف وهدوء عن معرفتهم بالشروط والضوابط التي ذكرها علماء السلف لهذه المسائل، فلا يحيرون جوابًا، وكنت أسألهم عن الأدلة والدلالات من العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والبيان، والناسخ والمنسوخ، وليس عندهم فيها أثارة من علم، فرجع بعضهم إلى الحق وتشكك آخرون بمنهجهم الخاطئ، وهكذا يحصل في مواقف متعددة يوظف فيها علم الأصول وكذا المقاصد في الضرورات، والحاجيات، والتحسينيات، والمصالح والمفاسد، والعمل عند تزاحم المصالح والمفاسد، وهكذا في مقصد حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، والله المستعان.

السؤال السادس: معالي الشيخ: يستصعب كثير من المتعلمين علم الأصول وتعلمه ولربما يثقل عليهم التحصيل فيه ما نصيحة فضيلتكم حيال ذلك؟ وما مدى أهمية هذا العلم وأثره في بناء الشخصية العلمية؟ وما هي أبرز المعالم المنهجية لتحصيل علم الأصول وعلم المقاصد.؟

علم الأصول كغيره من العلومله قواعد للتحصيل، وباتباعها لا يكون صعبا أو ثقيلا أو عسيرا، قال الناظم رحمه الله:

وبعد فالعلم بحـور زاخرة لن يبلغ الكادح فيه آخره

لكن في أصولـه تسهيلاً فاحـرص تجـد سبيلاً

اغتنم القواعـد الأصولا فمـن تَفُته يحرم الوصولا

وقواعد تحصيل أي علم عموما تبدأ : بالإخلاص لله تعالى، وفي الحديث الذي رواه الإمام الترمذي أن النبي r قال:" من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار"

وقد جمع بعضهم قواعد التحصيل في بيتين من الشِّعر ، بعضهم ينسبهما للإمام الشافعي ، وبعضهم ينسبهما لإمام الحرمين الجويني رحمهما الله، يقول فيهما:

أخي لن تنال العلم إلا بِسِتَّةٍ سَأُنْبِيكَ عن تفصيلها ببيانِ

ذكاءٌ وحرص واجتهاد وبلغة وصُحبة أستاذ وطول زمانِ

وعلم الأصول وعلم المقاصد كذلك مثل باقي العلوم في التحصيل، يحتاج إلى همة عالية واستسهال الصعب.

وقد قال الأول:

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فما انقادت الآمال إلا لصابر

ومن الحكم السَّيارة : بقدر ما تتعنَّى تنال ما تتمنى، وبلوغ القمة في علو الهِمَّة، ومن رام الوصول حفظ الأصول.

وعلم أصول الفقه من أهم العلوم، وأعمِّها نفعاً، وأبلغها أَثراً، وأكثرها فائدة. وهو العلم الذي يُمَكِّن المجتهدين من النظَر في أصول الشريعة ومقاصدها، وقواعدِ الدين ونصوصِه، واستنباطِ الأحكام الشرعية من الأدلَّة التفصيلية، بإتقان وبصيرةٍ، فهو مَأْوى الأئمة، ومَلْجأ المجتهدين، ومورد المفتين عند تحقيق المسائل، وتحريرِ الأقوال، وتقرير الأدلة، وتَأْصيلِ وتقعيدِ الحُكْم في النوازل، وما يجدُّ في حياة المسلمين. وهو بهذا يساعد في بناء شخصية علمية من خلال أسس متينة، وقواعدَ راسخةٍ تربطُ بين المنقول والمعقول ومن ثم الوصول إلى معرفة حكم الشرع في كل فِعْل وتَرْك.

وأهم المعالم المنهجية لتحصيل هذا العلم: معرفة ما في الكتاب والسُّنَّة من مُجْمَلٍ ومُبيَّن، وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطلَق ومُقيَّد، وَمُحْكَم ومُتَشابه، ومَنْطوق ومَفْهوم، وناسخٍ ومنسوخ، وأمْر ونَهْي، وأخذه من العلماء المعتبرين.

وكذلك معرفة درأ التعارُضَ بين نصوص الكتاب والسُّنَّة ، ومعرفة الأحكامَ التكليفيةَ والوضعية وتفصيلاتِها، وأحكامَ الاجتهاد، والنَّظرَ والاستنباط، ومقاصدَ الشريعة، والحكمَ على ما يجدُّ الناس من أقضية، مع الأَخْذ بالثبات على القواعد، والرُّسوخِ في الأصول، وعدم التنازُل عن المبادئ والأهداف، والمرونةِ التي يَصْحبها سَعَةٌ في الأفُق، وعُمْقٌ في النظَر، مع عدم الخروج عما قَصَدَتْهُ الشريعةُ، وجاءتْ به من مصالحِ العباد في المعاش والمعاد، ومن ذلك كله يتبين يسر هذا العلم متى ما ركز على القواعد والأمثلة، ولم يستطرد في علم الجدل التي أدخل عليه من أهل الكلام.

السؤال السابع: ما أهم الكتب والمراجع التي لا ينبغي لطالب الأصول أو المقاصد أن تَفْرُغَ مكتبته منها؟ وما أحبها إلى معاليكم؟ ولماذا؟

لا شك أن طالب العلم لا بد أن يكون شغوفا بالكتب (كل الكتب عموما) ومن يريد التخصص في علم الأصول فلا ينبغي أن تخلو مكتبته من المصادر الأصيلة لهذا العلم، ومنها على سبيل المثال:" كتاب الرسالة للإمام الشافعي، والبرهان للجويني، والمستصفى والمنخول للغزالي، والعدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، والتبصرة للشيرازي، والواضح لابن عقيل

وكذلك كُتب : أصول البزدوي، والشاشي، والسرخسي ، والإحكام للآمدي بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، والمنهاج للبيضاوي، والمسودة لآل تيمية، وإعلام الموقعين لابن القيم، والبحر المحيط للزركشي ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار، والفروق للقرافي، وكُتُب الأشباه والنظائر للسيوطي وابن نجيم ..وغيرهما، وكُتب القواعد الفقهية مثل قواعد الأحكام في مصالح الأنام، وأخيرا إرشاد الفحول للشوكاني، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي"

هذه هي الكتب الأساسية التي لا يتصور أن تخلو مكتبة طالب علم الأصول منها، وفي الحقيقة أشيد هنا بتحقيقات شيخ الإسلام ابن تيمية في المسائل الأصولية وهي موجودة في مجموع الفتاوى.

وبالنسبة لعلم المقاصد فهو من العلوم الأصيلة والمهمة والتي لم يتم فيها التوسع في التأليف على غرار العلوم الأخرى؛ لاسيما في هذا العصر الذي كثرت فيه النوازل، ويكفى طالب العلم الإلمام بالمرجعين الأساسيين لهذا العلم ؛ كتاب الموافقات للشاطبي ، وكتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور، مع متابعة ما يُنشر في المجلات العلمية المحكمة؛ ففيها بحوث جيدة خصوصا ما يتعلق بالمستجدات والنوازل المعاصرة، وأحبها إليّ تحقيقات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وروضة الناظر التي عشناها دراسة وتدريسًا.

قال الإمام الصرصري رحمه الله:

وروضته ذات الأصول كروضة أماست لها الأزهار أنفاس شمأل

تدل على المنطوق أوفى دلالـة وتحمل في المفهوم أحسن محمل

وأعمل الآن على تهذيب لها، وتعليق عليها، بعنوان:" قرة الأعين النواضر في تهذيب روضة الناظر"، وكذا "الواضح" لابن عقيل؛ الذي عشت معه سنوات عدة في أطروحة الدكتوراه، وكتاب:" الموافقات في المقاصد"، وأعمل الآن على تهذيب له بعنوان:" الموافقات على الموافقات".

ومنها الكتب التي عنيت بربط الفروع بالأصول ككتاب:" القواعد والفوائد الأصولية" لابن اللحام، ونحوه ومنها؛ تعليقات الشيخ عبد الرزاق عفيفي النفيسة على الإحكام، ومذكرة الشيخ الشنقيطي على الروضة.

كما أعمل على جمع المادة العلمية المقدمة في إذاعة القرآن الكريم في كتاب يحمل عنوان "أضواء على علم أصول الفقه" أسأل الله الإيمان والتوفيق.

السؤال الثامن: شيخنا الكريم وأنتم اليوم تجاوزتم الثلاثين سنة في أعظم محراب وأعلى المنبر ما هي أبرز المقاصد الشرعية التي يجب على الإمام والخطيب مراعاتها؟ وكيف يمكن لطالب العلم المتوسط والمبتدئ وقليل العلم من العوام ونحوهم أن يستفيدوا من علم المقاصد وينجو من الخلط الكبير الحاصل فيه.؟

المستقرئ لتاريخ الخطابة عند العرب يجد أنها تمثل قمة من قمم الإبداع،ولسان الصد والدفاع، وكانت هذه المهمة لا تُناطُ إلا بالمِقْوَال من الوجهاء والأشراف، الذين تحلّوا بالحكمة ورجاحة العقل وحسن الأوصاف، وما ذلك إلا لتحقيق أهدافها ومقاصدها، ولما جاء الإسلام جعل الخطابة قُربة وعبادة، وهنا يأتي واجب الخطيب في الاهتمام بها وحسن اختيار مواضيعها والبراعة في إلقائها.

والخطيب كالطبيب؛ يُشخص أدواء المجتمع وعلله، ويصف الدواء الناجع لها بحكمة واقتدار، يعيش أحوال الناس، ويشعر شعورهم، فيشاطرهم آمالهم وآلامهم، فلا يعيش في واد والمجتمع في واد آخر، بل يعرض القضايا الحية، والموضوعات المهمة، يتحرى حسن اختيار الموضوعات، وينوع في طرحها، ويبتكر في عرضها .

ويُركز على المقاصد الشرعية والضرورات الخمس، مع بيان سبل ذلك والأدلة عليها من الكتاب والسنة وربط ذلك بالواقع والأحداث والنوازل.

لأن حفظ المقاصد وتحقيقها أمر فطري في كل الناس؛ فأي إنسان يدافع عن ماله وعِرضه وينتصر لدينه ومعتقده، فالخطيب الذكي هو الذي يُنَمِّي هذه الفطرة السَّوِية من خلال الأدلة الصحيحة وتنزيلها على الواقع الملائم، وبذلك يستفيد كل الناس من علم المقاصد قولا وتطبيقا.

السؤال التاسع: معالي الشيخ: هذا العلم الذي أبحرتم في لجته هذه الأعوام الحافلة وتجولتم في أرجائه لابد وأنكم بعد هذه المسيرة قد ظهرت لكم جوانب تحتاج للحلية أو التمام وتمنيتم أن لو ينبري لها من يسدها فهل يرى معاليكم أن يجود بها على الباحثين من طلاب الدراسات العليا وغيرهم.؟ وما هي أبرز معالم التجديد التي عنيتم بمؤلفكم الموسوم بالتجديد في أصول الفقه.؟

علم الأصول كغيره من علوم الآلة له أسسه وقواعده، وقد وضع أساسه الإمام الفهامة محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ، ثم انبرى العلماء في النسج على منواله، وفي العصر الحاضر حيث قذفت المدنية الحديثة بكثير من المستجدات، وتتابعت النوازل والمتغيرات، وعاشت الأمة ألوانًا من التحديات ما بين عولمة كاسحة تهز الثوابت والأصول، وتخدش القيم والمثل والفضائل، وبين غلو وإرهاب، وعنف وإرعاب، ينسف كثيرًا من مقاصد الشريعة، ويُضَيع حِكمها وأسرارها، ودعوات تجديدية ترفع شعار التنوير والتطوير والإصلاح أحيانا، وهي شعارات برّاقة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فتعظم الحاجة إلى الاستفادة من هذا العلم؛ ليضبط مسار الأمة، ويؤهل المجتهدين للحكم على هذه القضايا والمستجدات؛ لتسير الأمة على المنهج الوسطي المعتدل في بعدٍ عن مسالك الإفراط والتفريط.

والتجديد في علم أصول الفقه أمر طبيعي؛ وهو جزء من تجديد أمر الدين، قال r: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح، بل هو دليل على مرونة هذا العلم وسعته، وهذا يؤكد خطأ من يتهم هذا العلم بالجمود والتحجر، أو يجعل من التجديد وسيلة للطعن في الثوابت والأصول والقواعد المعتبرة، ثم إن التجديد يكون في المتغيرات لا الثوابت، وفي الاستنباطات لا الأحكام، وفي الفروع لا في الأصول. وليس التجديد بمعنى التغيير أو الخروج عن القديم الذي التزمه السلف الأخيار؛ بل التجديد بمعنى التطوير بما يتناسب مع المستجدات والنوازل، وهذا ما يوضحه كتاب: "التجديد في أصول الفقه". فالحاصل أن التجديد لا يمس الأصول والقواعد والثوابت؛ بل يطال الوسائل وأساليب العرض والصياغة، والربط بالواقع وتكييف المستجدات والوقائع والنوازل المعاصرة على الأصول والقواعد الجامع.

والمستجدات والنوازل هي مجال خصب للباحثين وطلاب الدراسات العليا، فليشمروا عن سواعد الجد فيها؛ ليجمعوا بين التأصيل والتطبيق حتى لا يقع بعض الناس فريسة لفتاوى طائرة من هنا وهناك لا زمام لها ولا خطام، والله المستعان.

السؤال العاشر: معالي الشيخ: في عام 1431هـ تقريبا مولتم -بارك الله لكم- كرسيا بحثيا للدراسات الأصولية والمقاصدية فهل الكرسي لا يزال مستمرا؟ وما هي الرسالة التي رغبتم في تحقيقها؟ وهل أشبع الكرسي تطلعاتكم؟ وكيف كان تقييمكم لنتائجه حتى هذه اللحظة؟ وما أبرز تلك النتائج؟

الكرسي معتمد –بحمد الله- وسيظل مستمرا بفضل الله وحوله وقوته، والعلمُ إن تَمَلَّك إنسانا فإن هذا الإنسان لا يشبع منه أبدا، فلا يشبع مُتعلمٌ من علمٍ مهما بلغ فيه.

وهذا الكرسي تم تأسيسه لرسالة نبيلة ولتحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسة ومن أهمها:

  1. تعزيز دور عِلْمَيّ أصول الفقه ومقاصد الشريعة في معالجة قضايا المجتمع والنوازل المعاصرة.
  2. تقديم خدمات بحثية واستشارية متخصصة للباحثين والمهتمين.
  3. تحقيق الشراكة المجتمعية بين كافة شرائح ومؤسسات المجتمع.
  4. تحقيق إثبات صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وبيان الثابت فيها والمتغير.
  5. تحقيق التواصل العلمي والمعرفي بين المهتمين بهذين العلمين.
  6. ضبط مسالك الاجتهاد والفتاوى على ضوء القواعد الأصولية والمقاصدية.
  7. معالجة الظواهر المخالفة للشريعة غلوًا وجفاءً؛ تحقيقًا للأمن والاستقرار للمجتمع.
  8. تفعيل التقعيد الأصولي والمقاصدي، وربطه بواقع الأمة ونوازلها.
  9. تحقيق منهج الوسطية والاعتدال، ونشر التقعيد والتأصيل والتكييف الأصولي والمقاصدي للقضايا والنوازل المعاصرة.
  10. إثراء المكانة العلمية والبحثية للمملكة، وتشجيع العلماء والباحثين السعوديين على الإسهام في الحضارة الإنسانية.
  11. توفير البيئة الملائمة للبحث والتطوير.
  12. ربط مخرجات البحث العلمي في الجامعة بحاجات المجتمع، من خلال إيجاد بيئة تقوم على الشراكة بين الجامعة والجهات الحكومية والأهلية، وغير الربحية المحلية والدولية.
  13. توفير السبل الداعمة لاستقطاب وتدريب العقول المبدعة والكفاءات المتميزة في مختلف مجالات البحث العلمي.

ونتائجه إلى الآن - بفضل الله- طيبة من خلال الاضطلاع بمسئولية النهوض بمستوى علم أصول الفقه والمقاصد، وتفعيل الدراسات المتخصصة فيهما، وربطها بقضايا الأمة ونوازل العصر، مع التطلع للمزيد وتعاون الجميع، وختامًا ألهج بالشكر والثناء للمنعم المتفضل سبحانه، ثم أكرر الشكر والتقدير لكم وللقراء الفضلاء، والله أسأل أن يجعل العمل خالصًا لوجهه الكريم إنه جواد كريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلىالله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

إجابات الشيخ لأسئلة المتابعين :

ما هي المنهجية الصحيحة في طلب علم أصول الفقه ؟

المنهجية الصحيحة في طلب علم أصول الفقه سبق بيانها في الإجابة عن السؤال السادس، وأهم معالمها التدرج في هذا العلم وكتبه وأخذه عن العلماء الراسخين والاهتمام بقواعده والأمثلة عليه دون الإغراق فيما أدخل عليه من الجدل والمنطق.

ما أفضل ما أُلِّف في الاجتهاد والتقليد ؟

موضوع الاجتهاد موضوع مهم جدًا ولم يُفرد بالتأليف قديما ، وكان يأتي ضمن المؤلفات الخاصة بالفتوى وضوابط الإفتاء، مثل أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح ، وصفة الفتوى لابن حمدان، وكذلك تناول طرفا منه الإمام ابن القيم في كتابه القيم "إعلام الموقعين عن رب العالمين".

وعندما علت أصوات من قال بمنع الاجتهاد بدأت المؤلفات تُفْرَد لموضوع الاجتهاد والتقليد ما بين مؤيد ومعارض ، ومن أفضل ما أُلِّف في هذا الموضوع كتاب: "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، لجلال الدين السيوطي، وكتاب:" إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد" للصنعاني، وكتاب:"القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد" للإمام الشوكاني، وكتاب: "عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق" للباني، وكتاب:"عِقْد الجيد في الاجتهاد والتقليد"، لشاه ولي الله الدهلوي، وغيرها من الكتب التي سارت على نفس المنهج، غير أن مما يشار إليه هنا: العناية بالرؤية الصحيحة المبنية على التوازن فيه والاعتدال، والاهتمام بالاجتهاد الجماعي، لاسيما في النوازل ومراعاة الضوابط والشروط المعتبرة، ومن أحسن ما اطلعت عليه في هذا المجال تحقيقات شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- كما في مجموع الفتاوى المجلدان (19 و20)، وكذا ابن القيم في إعلام الموقعين، فقد أجاد وأفاد، وعرضا هذه القضية بكل جلاء وتوسط واعتدال وتوازن وإنصاف –رحمهما الله تعالى.

هل من دروس لمعاليكم في علم أصول الفقه حاليا أو قريبا؟

بفضل الله تعالى اتصالي بعلم الأصول دائم لا ينقطع، فقد درسته في الجامعة قرابة ربع قرن، وقد سبق وقدمتُ دروسا مُيسرة لعلم أصول الفقه في إذاعة القرآن الكريم، وأعمل على جمعها الآن في كتاب، وفي هذه الأيام أُقَدِّم دروسا ومحاضرات في الأصول لطلاب كلية الحرم المكي الشريف المستوى الخامس.

هذا بالإضافة إلى الدروس الأخرى في التفسير والحديث والفقه لعموم زوار بيت الله الحرام، بالإضافة إلى الدرس الشهري في المسجد النبوي الشريف، وآمل عند قلة الشواغل مزيد الدروس فيه.

الواضح في أصول الفقه طُبع منه ما قمتم بتحقيقه، فهل يعزم معاليكم على نشر التحقيق الباقي للكتاب ؟ ويوجد تحقيقات أخرى للواضح، فأيهما أفضل من خلال ممارستكم له ؟ وفي أي مرتبة بالنسبة لطلبة العلم يصنف الواضح للمبتدئين أم المتوسطين أم المتقدمين؟

كتاب الواضح لابن عقيل الحنبلي من بين كتب الأصول له مكانة عظيمة في القلب، فكم من أيام قضيتها معه، وكم من ليال عشتها في رحابه ، فقد صحبته زمانا ليس بالقليل، وسبرت أغواره، وكشفت عن بعض كنوزه، ولم أكتفِ بمصاحبته في رسالة الدكتوراه فقط ، بل صحبته بعدها أيضا وحققتُ أجزاء منه غير الجزء الذي قدمته لرسالة الدكتوراه، لكن حالت كثرة المشاغل والأسفار والمشروعات العلمية دون إتمام هذا المشروع العظيم، ورغم ذلك لم تنقطع دونه المُنية ، خصوصا أنه من أهم مصادر الأصول عند الحنابلة، لذا فأنا أعمل هذه الأيام على جمع ما تم من تحقيقه في رسائل علمية ليكون موسوعة أصولية يستفيد منها طلاب العلم وشُداة الأصول.

ومما شحذ الهمة على إتمام هذا العمل الجليل ما تمناه محققه معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله ، حيث ذكر في مقدمة تحقيقه لهذا الكتاب ، والذي يُعد أفضل تحقيق مطبوع له :" أنه كان حريا بمن حقق كتاب الواضح في رسائل الدكتوراه أن ينشروه جميعا أو ما كان منه محل دراستهم".

وقد كان معاليه أحد المناقشين لي في هذا العمل، فاستعنتُ بالله على جمع ما تم منه وإخراجه بما يليق به .

وكتاب الواضح لا يصلح للمبتدئين في دراسة الأصول بل هو يصلح للمتقدمين؛ وذلك لأنه يتناول موضوعات عالية المستوى في الجدل والمنطق، والحد والماهية، كذلك يتناول اختلاف علماء الأصول ويناقش أدلتهم ويفندها ويرجح بينها، وهذا كله إنما يصلح لمن أحاط بأسس العلم، وسبر أغوار آراء العلماء وأوجه الترجيح ومعرفة الخلاف، ومن ثم فهو مصدر جيد لمن أراد التبحر في الأصول؛ لأنه موسوعة أصولية متكاملة.